عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
436
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
القسم الثاني من الأقسام الثلاثة : قوم تسببوا في الضرورات دون غيرها جلبا ودفعا ، ضرّا ونفعا ، وهذه الطريقة عليها الجمهور من الأنبياء والأولياء ؛ ومن هذا القبيل ما احتج به المنكر من احتراز النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم من الأعداء الكفار في هجرته ، واختبائه في غار ثور وغير ذلك ، فهذه طريقة جمهور الأنبياء عليهم السلام كما ذكرنا ، فليس في ذلك للمنكر حجة ، لأن بعض الأولياء لا يحترزون ولا يتسببون لنفوسهم في شئ أصلا كما قدمنا ، وقد تصدر منهم أشياء في حال من أحوال غالبة عليهم تسلبهم الاختيار ، فلا يقاسوا بغيرهم ولا نقول إن تارك التسبب في الضرورات أفضل من المتسبب فيها من الأولياء ، بل قد يكون الأمر بالعكس ، ولم يكن النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم محترزا في كل شئ ، بل قد كان يواجه بعض المخاوف وحده كيوم حنين وغيره ، وكذلك أصحابه رضى اللّه تعالى عنهم ، وكذلك كثير في الأحاديث التي يطول ذكرها . وأما قوة أحوال بعض الأولياء وما أعطوا من اليقين والكرامات فكلها مستمدة من فيض فضله صلّى اللّه عليه وسلم ، ومنسوبة إليه ، وقد كان صلّى اللّه عليه وسلم مشرّعا يسلك الطريق السهلة التي يقوى على سلوكها العام والخاص ، ولو سلك مقدم الركب والقوافل طريقا وغرة يقوى هو على سلوكها دون كثير منهم لم يكن بهم رؤوفا رحيما ، ولكنه صلّى اللّه عليه وسلم كما قال اللّه تعالى ( عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ) جزاه اللّه عنا أفضل الجزاء ؛ وقد يسلك بعض الأقوياء من القوافل بعض الطرق الوعرة لمصلحة ولا يمنعه المقدم . القسم الثالث : من الأقسام الثلاثة في التوكل : قوم دخلوا في الأسباب كلها في الضرورات وغيرها ، لكن مع اعتمادهم على المسبب دون السبب * ومما أنكر المنكر المذكور ما حكى عن بعضهم ، ويقال إنه إبراهيم الخوّاص رضى اللّه تعالى عنه ، وذلك أنه كان لا يقيم في بلد إلا أياما معدودة خوف الشهرة ؛ فلما دخل بعض البلاد اشتهر فيها ، فأراد أن يزيل عنه الشهرة وما يترتب عليها من الضرر ؛ فدخل الحمام فوجد ثياب ابن الملك قد نزعها ووضعها عند الحمامي ثم غفل الحمامي عنها فلبسها الخوّاص ولبس من فوقها ثيابه وخرج يمشى رويدا حتى يلحقوه وينسبوه إلى اللصوصية وتزول عنه شهرة الصلاح ،